ابو القاسم عبد الكريم القشيري
34
الرسالة القشيرية
باب في ذكر مشايخ هذه الطريقة « 1 » وما يدل من سيرهم وأقوالهم على تعظيم الشريعة « 2 » إعلموا ، رحمكم اللّه تعالى ، أن المسلمين بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لم يتسم أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم ، سوى صحبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ إذ لا فضيلة فوقها ، فقيل لهم : الصحابة . ولما أدركهم أهل العصر الثاني سمى من صحب الصحابة : التابعين . ورأوا في ذلك أشرف سمة « 3 » . ثم قيل لمن بعدهم : أتباع التابعين . ثم اختلف الناس ، وتباينت المراتب ، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين : الزهاد والعباد . ثم ظهرت البدع ، وحصل التداعى « 4 » بين الفرق ، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهادا . فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفاسهم « 5 » مع اللّه تعالى ، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة ، باسم « التصوف » . واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة . ونحن نذكر في هذا الباب أسامي جماعة من شيوخ هذه الطريقة ، من الطبقة الأولى إلى وقت المتأخرين منهم ، ونذكر جملا من سيرهم ، وأقاويلهم ، بما يكون فيه تنبيه على أصولهم وآدابهم إن شاء اللّه تعالى .
--> ( 1 ) اى الطريقة المعنوية المعبر بها عن القيام بوظائف العبادات ، والمتوصل بها إلى المقامات : كالزهد والورع وغيرهما . ( 2 ) الشريعة : ما شرعه اللّه لعباده من الدين . ( 3 ) سمة : علامة . ( 4 ) التداعى : التنازع . ( 5 ) الدائمون على الاشتغال بالعبادة مع المراقبة ، فلا يخرج لهم نفس إلا حاسبوا أنفسهم عليه .